أبي طالب المكي

312

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

صاحب المنزل عدتهم قبل مجيئهم ليستعدّ لهم بعد أن يعرض عددهم . من دعا رجلا في غير دعوة عامة وعنده قوم أو رجل بعينه فليعلمه بمن عنده ليدخل على بصيرة ، فلعلّ أن يكون عنده من يكره هذا المدعو لاجتماع معه ، أو لعله أن يجيبه لأنه يحسب أن ليس عنده غيره لأن الأكل معاشرة وليس كل إنسان يحبّ أن يعاشر كل أحد خاصة الرؤساء . ومن أكل مع رجل من طعامه فوقف عليه سائل فلا يعطينّ شيئا إلَّا بإذنه أو يسأل صاحب الطعام حتى يكون هو الذي يعطيه ، فإن أعطاه بغير إذن كان الأجر لصاحب الطعام والوزر عليه . روي ذلك عن أبي الدرداء قال لإنسان كان يأكل معه فأعطى سائلا بغير أمره : لقد كنت غنيا أن يكن الأجر لي والوزر عليك ، ومثله لا يدعو إلى طعام غيره أحدا بغير إذن صاحبه ومن دعا خصوص إخوانه فدخل عليه داخل فلا يقعده معهم للأكل وليصرفه أو يفرده عنهم . حدثني بعض أشياخنا عن بعض الخلف الصالح أنه دعا إخوانه من الصوفية على طعام فدخل رجل من العامة فجلس يأكل معهم فقبض على يده ونحاه وقال : هذا عملناه لهؤلاء خاصة لا يصلح أن يكون معهم غيرهم ، ثم أفرده بطعام خصّه به وعمله لأجله عوضا مما فعل ومن دخل عليه داخل وهو يأكل فلا يرفع الطعام فليس ذلك من السنّة ولا من فعل المروءة ولعل الداخل أحوج إليه منه وقد بعث إليه اختبارا له . وإذا عرضت على أخيك الطعام مرة أو مرتين فلا تلحن عليه ، وكذلك إذا دعوته فكره فقد قالوا لا تكرم أخاك بما يشقّ عليه ولا تزيدن على ثلاث مرات فإن الإلحاح واللجاج ما زاد على ثلاث مرات وليس ذلك من الأدب . قالوا : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خوطب في شيء ثلاثا لم يراجع بعد ثلاث . وكان الحسن بن عليّ رضي الله عنهما يقول : الطعام أهون من أن يحلف عليه . وقال مرة : من أن يدعى إليه ذلك لعظيم حق . وكان الثوري يقول : إذا زارك أخوك فلا تقل له تأكل أو أقدم إليك ولكن قدّم ما عندك ، فإن أكل وإلا فارفعه . وكان الحسن وابن المبارك إذا أرادا الغداء أو العشاء فتحابا بهما فمن دخل عرضا عليه الأكل ، وقد كان هذا من سيرة السلف أنهم يفتحون الباب عند حضور الطعام ومن صادف دخوله أكل معهم ، ومنهم من كان يقعد في دهليز داره ويفتح الباب فكل من مرّ عليه في الطريق دعاه إلى طعامه من غني أو فقير ، وقال بعض التابعين : إلَّا إنّ خياركم آكلكم في الأفنية وأوسعكم آنية وأحلاكم أطلية إلَّا إنّ شراركم آكلكم في الأخبية وأصغركم أطلية . ومن دعا رجلا إلى طعامه وهو يعلم أنّ الأحبّ إليه أن لا يأكل فمكروه له أن يأكل ولا يعبأ بقوله إذا علم منه خلافه ، فإن لم يعلم حقيقة ذلك فله أن يجيبه على ظاهر قوله وليس له أن يسيء الظن به . دعا